أبي الفرج الأصفهاني

416

الأغاني

/ فقال له الحجّاج : فهلَّا يومئذ بعثت بديلا ، يا حرسيّ [ 1 ] ! اضرب عنقه ، وسمع الحجّاج ضوضاء ، فقال : ما هذا ؟ فقال : هذه البراجم جاءت لتنصر [ 2 ] عميرا فيما ذكرت ، فقال : أتحفوهم برأسه ، فرموهم برأسه ، فولَّوا هاربين ، فازدحم الناس على الجسر للعبور إلى المهلَّب حتى غرق بعضهم [ 3 ] ، فقال عبد اللَّه بن الزّبير الأسديّ : أقول لإبراهيم لمّا لقيته أرى الأمر أمسى واهيا متشعبا [ 4 ] تخير فإما أن تزور ابن ضابىء عميرا وإمّا أن تزور المهلَّبا هما خطَّتا خسف نجاؤك منهما ركوبك حوليّا من الثلج أشهبا [ 5 ] / فأضحى ولو كانت خراسان دونه رآها مكان السّوق أو هي أقربا [ 6 ]

--> - فحاشا ، فهجاهم ورمى أمهم به ، فقال من أبيات : وأمكم لا تتركوها وكلبكم فإن عقوق الوالدات كبير فاستعدوا عليه عثمان ، فأرسل إليه فعزره وحبسه ، فاضطغن على عثمان لما فعل به ، فلما دعى به ليؤدب شد سكينا في ساقه ليقتل بها عثمان ، فعثر عليه فأحسن أدبه ، وما زال في الحبس حتى مات فيه ، وقد قال في ذلك أبياتا منها : هممت ولم أفعل وكدت وليتني تركت على عثمان تبكي حلائله انظر « تاريخ الطبري » 5 : 137 و « الكامل » للمبرد 1 : 185 . ونعثل : رجل من أهل مصر كان طويل اللحية ، وكان عثمان إذا نيل منه وعيب شبه بهذا الرجل لطول لحيته ، فكان أعداؤه وشاتموه يسمونه نعثلا لذلك ، وفي حديث عائشة : اقتلوا نعثلا ، قتل اللَّه نعثلا تعني عثمان ، وكان هذا منها لما غاضبته وذهبت إلى مكة . [ 1 ] الحرسيّ : واحد حرس السلطان وهم الحرّاس . [ 2 ] في الأصول ما عدا ط ، « لتبصر » ؛ وهو تصحيف . [ 3 ] وفي « الكامل » 1 : 183 « فقال الحجاج : ردوه ، فلما رد قال له : أيها الشيخ هلا بعثت إلى أمير المؤمنين عثمان بدلا يوم الدار ! إن في قتلك أيها الشيخ لصلاحا للمسلمين ، يا حرسي اضربن عنقه ، فجعل الزجل يضيق عليه أمره فيرتحل ويأمر وليه أن يلحقه بزاده » وفي « الكامل » أيضا 2 : 213 « ثم جلس لتوجيه الناس فقال : قد أجلتكم ثلاثا » وأقسم باللَّه لا يتخلف أحد من أصحاب ابن مخنف بعدها ولا من أهل الثغور إلا قتله ، ثم قال لصاحب حرسه وصاحب شرطه : إذا مضت ثلاثة أيام فاتخذا سيوفكما عصيا ، فجاءه عمير بن ضابىء البرجمي بابنه فقال : أصلح اللَّه الأمير ، إن هذا أنفع لكم مني ، وأشدّ بني تميم أيدا ، وأجمعهم سلاحا ، وأربطهم جأشا ، وأنا شيخ كبير عليل ، واستشهد جلساءه ، فقال الحجاج : إن عذرك لواضح ، وإن ضعفك لبين ، ولكني أكره أن يجترىء بك الناس عليّ ، وبعد فأنت ابن ضابىء صاحب عثمان ، ثم أمر به فقتل ، فاحتمل الناس ، وإن أحدهم لينبع بزاده وسلاحه « الخ . [ 4 ] يخاطب إبراهيم بن عامر الأسدي أحد بني غاضرة بن مالك بن ثعلبة بن دودان بن أسد ، وكان قد لقى ابن الزبير في السوق فسأله عن الخبر ، فقال ابن الزبير هذه الأبيات . وفي رواية « الكامل » 2 : 686 . « أقول لعبد اللَّه يوم لقيته أرى الأمر أمسى منصبا متشعبا « أنصبه الأمر : أعياه وأتعبه . [ 5 ] الخسف : الذل . الحولي : ما أتى عليه حول . أشهب : أشد شهبة ، والشهبة : بياض يصدعه سواد في خلاله . والثلج شف ولكنه عند تراكمه يرى خلاله ظل من السواد ، واستعماله أفعل التفضيل من اللون شاهد على جوازه عند الكوفيين ، وعليه درج المتنبي في قوله يخاطب الشيب : ابعد بعدت بياضا لا بياض له لأنت أسود في عيني من الظلم [ 6 ] جاء في تعليق الأخفش على « الكامل » 1 : 183 : « دونه : الهاء عائدة على المهلب » فمعناه : فأضحى ولو كانت خراسان قريبة من موضع غزوه ، وجاء في « تفسير المبرد » لهذا البيت في « الكامل » 1 : 185 « وقوله : فأضحى ولو كانت خراسان دونه : يعني دون السفر رآها مكان السوق للخوف والطاعة » فمعنى دون السفر : قريبة من موضع سفره ، قال المرصفي في « رغبة الآمل » 4 : 90 « وقد سلف عن الأخفش أن الهاء من دونه عائدة على المهلب ، وهو أجود . مكان السوق : يريد سوق حكمة ( كرقبة ) وهو موضع بنواحي الكوفة ، نسبت إلى حكمة بن حذيفة بن بدر . أو هي أقربا : أو بمعنى بل ، وأقرب ظرف متعلق بخبر هي ، وقيل : مفعول ثان ، وهي توكيد للأول ، أي رآها مكان السوق أو رآها هي أقرب .